مصطفى صادق الرافعي
211
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
لهذه العلة ، ولكنه يمرّ في أبيات كثيرة مما يحفظه أو مما يحسن قراءته ؛ فما وزن الشعر إلا نسق ألفاظه ، فمن أداها على وجهها فقد أقامه على وجهه ، ومن قرأ صحيحا فقد أنشد صحيحا . وهذا خلاف المأثور عنه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنه على كونه أفصح العرب إجماعا ، لم يكن ينشد بيتا تاما على وزنه ، إنما كان ينشد الصدر أو العجز فحسب ؛ فإن ألقى البيت كاملا لم يصحح وزنه بحال من الأحوال ، وأخرجه عن الشعر فلا يلتئم على لسانه . أنشد مرة صدر البيت المشهور للبيد ، وهو قوله ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل فصححه ، ولكنه سكت عن عجزه « وكل نعيم لا محالة زائل » . وأنشد البيت السائر لطرفة على هذه الصورة : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك ( من لم تزوّد ) بالأخبار وإنما هو : « ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد » . وأنشد بيت العباس بن مرداس فقال : أتجعل نهبي نهب العبي * د بين ( الأقرع ) وعيينة « 1 » . . فقال الناس : بين عيينة والأقرع . فأعادها عليه الصلاة والسلام : « بين الأقرع وعيينة » ولم يستقم له الوزن . ولم تجر على لسانه صلّى اللّه عليه وسلم مما صح وزنه إلا ضربان من الرجز المنهوك والمشطور « 2 » أما الأول فكقوله في رواية البراء : إنه رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم على بغلة بيضاء يوم أحد ويقول : أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب والثاني كقوله في رواية جندب إنه صلّى اللّه عليه وسلم دميت إصبعه فقال : هل أنت إلا إصبع دميت * وفي سبيل اللّه ما لقيت وإنما اتفق له ذلك ، لأن الرجز في أصله ليس بشعر « 3 » إنما هو وزن ؛ كأوزان
--> ( 1 ) عبيد : اسم فرس العباس ، وهذا البيت من أبيات مشهورة . ( 2 ) المشطور : جعل البيت ثلاثة أجزاء ، فيتحد العروض والضرب ، وعليه أكثر رجز العرب ( والجزء الأخير من الشطر الأول يسمى عروضا ، ومثله من الشطر الثاني يسمى صرا ) أما المنهوك : فهو ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ، وهما أخف أوزان الرجز ، لا يمتنع منهما شيء على أحد . ( 3 ) اختلف العلماء في ذلك ، وآراؤهم في تعليله مضطربة ، فمنهم من يجعل الرجز شعرا ، وهو